عبد الشافى محمد عبد اللطيف

273

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

هذه السنة - سنة ( 95 ه ) - وقد أثر موت الحجاج في قتيبة تأثيرا كبيرا ، فهو الذي كان يقف خلفه يشد من أزره بكل عزم وتصميم وأهم من هذا كله الثقة الكبيرة بين الرجلين والتي هي من أهم عوامل النجاح ، يقول الكرديزي : « وحينما سمع قتيبة بموت الحجاج اغتم غمّا شديدا » « 1 » . ولقد حزن قتيبة حزنا عميقا على موت قائده الكبير الحجاج ، وتمثّل بهذين البيتين من الشعر ؛ فقال : لعمري لنعم الفتى من آل جعفر * بحوران أمسى أعلقته الحبائل فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت * فما في حياة بعد موتك طائل * موقف الخليفة الوليد من قتيبة : بعد أن أتم قتيبة فتح أقاليم الشاش وفرغانة عاد إلى مرو - عاصمة خراسان - وقد ترك هناك حاميات لحفظ النظام ، وانتظر ما تأتي به الأيام بعد موت الحجاج ، ولقد كان الخليفة الوليد بن عبد الملك يعرف طبيعة العلاقة بين الحجاج وقتيبة ، ويعرف قدر الرجلين ، وأن الثقة المتبادلة بينهما والتعاون كانت له ثمار طيبة وكان في مصلحة الإسلام والمسلمين ، بل مصلحة الدولة ، وإذا كان الحجّاج قد مات فليحاول الخليفة الاحتفاظ بقتيبة ليواصل جهاده وجهوده في خدمة الإسلام ولذلك كتب له يزكيه ويشجعه « 2 » ، وكان مما قال له : « قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدك في جهاد أعداء المسلمين ، وأمير المؤمنين رافعك ، وصانع بك الذي يجب لك ، فأتم مغازيك وانتظر ثواب ربك ، ولا تغيّب عن أمير المؤمنين كتبك ، كأني انظر إلى بلادك والثغر الذي أنت فيه » « 3 » . أحدثت هذه الرسالة أثرا طيبا في نفس قتيبة ، وأعطته دفعة قوية من العزم والتصميم ، فعاوده نشاطه ورغبته في الغزو والجهاد فخرج من مرو ليواصل فتوحاته ، حيث وصل إلى كاشغر ، التي يقول عنها الطبري : إنها أدنى مدائن الصين ويلخص الطبري أعمال قتيبة في هذه المرحلة الأخيرة من مراحل جهاده في سبيل اللّه فيقول : « وأوغل قتيبة حتى قرب من الصين ، فكتب إليه ملك الصين أن ابعث رجلا من

--> ( 1 ) زين الأخبار - مصدر سابق ( 1 / 179 ) . ( 2 ) زين الأخبار ( 1 / 179 ) . ( 3 ) الطبري ( 6 / 492 ) .